محمد جمال الدين القاسمي

197

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أتم حنق عليه ، وأشد طلب لنفسه . وهو بينهم مسترسل قاهر ، ولهم مخالط ومكاثر ، ترمقه أبصارهم شزرا ، وترتد عنه أيديهم ذعرا ، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا ، حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة . ثم خرج عنهم . سليما لم يكلم في نفس ولا جسد . وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده اللّه تعالى بها فحققها حيث يقول : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فعصمه منهم . ثم قال الماورديّ رحمه اللّه تعالى : وإن قريشا اجتمعت في دار الندوة . وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة ، وكان زعيم القوم . وساعده عبد اللّه بن الزّبعري وكان شاعر القوم . فحضهم على قتل محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال لهم : الموت خير لكم من الحياة . فقال بعضهم : كيف نصنع ؟ فقال أبو جهل : هل محمد إلا رجل واحد ؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش ؟ فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه ؟ وأطرق مليا . فقالوا : من فعل هذا ساد . فقال أبو جهل : ما محمد بأقوى من رجل منا . وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر . فإن قتلت أرحت قومي ، وإن بقيت فذاك الذي أوثر . فخرجوا على ذلك . فلما اجتمعوا في الحطيم ، خرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : قد جاء . فتقدم من الركن فقام يصلي . فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود ، فقال أبو جهل : فإني أقوم فأريحكم منه ، فأخذ مهراسا عظيما . ودنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه ، وهو يراه . فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله . فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد ، وقد دوخت أوداجه . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساجد ، فقال أبو جهل لأصحابه : خذوني إليكم . فالتزموه وقد غشي عليه ساعة . فلما آفاق قال له أصحابه : ما الذي أصابك ؟ قال : لما دنوت منه ، أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه . فحمل عليّ أسنانه . فلم أتمالك . وإني أرى محمدا محجوبا . فقال له بعض أصحابه : يا أبا الحكم ! رغبت وأحببت الحياة ورجعت . قال : ما تغرّوني عن نفسي . قال النضر بن الحارث : فإن رجع غدا فأنا له . قالوا له : يا أبا سهم ! لئن فعلت هذا لتسودنّ . فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه . فأخذ حفنة من تراب وقال : شاهت الوجوه . وقال : حم لا ينصرون ، فتفرقوا عنه . وهذا دفع إلهيّ وثق به من اللّه تعالى . فصبر عليه حتى وقاه اللّه ، وكان من أقوى شاهد على صدقه . ( ومن أعلامه ) : أن معمر بن يزيد ، وكان أشجع قومه ، استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره ، فلما شكوا إليه قال لهم : إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه . وعندي عشرون ألف مدجّج